الشيخ الطبرسي
164
تفسير مجمع البيان
الأرض من بعدهم لننظر كيف تعلمون ( 14 ) . اللغة : القرون : جمع قرن ، وهو أهل عصر سموا بذلك لمقارنة بعضهم لبعض ، ومنه قرن الشاة ، لمقارنته آخر بإزائه . والقرن بكسر القاف : هو المقاوم لقرينه في الشدة . الاعراب : موضع كيف : نصب بقوله ( تعملون ) وتقديره لننظر أخيرا تعملون ، أم شرا ، ولا يجوز أن يكون معمول ( ننظر ) لأن ما قبل الاستفهام ، لا يعمل في ما بعده . المعنى : ثم أخبر سبحانه عما نزل بالأمم الماضية من المثلات ، وحذر هذه الأمة عن مثل مصارعهم ، فقال : ( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم ) بأنواع العذاب ( لما ظلموا ) أنفسهم بأن أشركوا وعصوا ( وجاءتهم رسلهم بالبينات ) أي : بالمعجزات الظاهرة ، والدلالات الواضحة ( وما كانوا ليؤمنوا ) هذا إخبار بأن هذه الأمم إنما أهلكوا لما كانوا في المعلوم انهم لو بقوا لم يكونوا يؤمنون بالرسل الذين أتوهم ، والكتب التي جاؤوهم بها ، واستدل أبو علي الجبائي بهذا على أن تبقية الكافر واجبة ، إذا كان المعلوم من حاله ، أنه يؤمن فيما بعد ( كذلك نجزي القوم المجرمين ) أي : كذلك نعذب القوم المشركين في المستقبل إذا لم يؤمنوا بعد قيام الحجة عليهم ، وعلمنا أنهم لا يؤمنون ، ولا يصلحون . ( ثم جعلناكم ) يا أمة محمد ( خلائف في الأرض من بعدهم ) أي : من بعد القرون التي أهلكناهم ، ومعناه : أسكناكم الأرض خلفهم ( لننظر كيف تعملون ) أي : لنرى عملكم أين يقع من عمل أولئك ، أتقتدون بهم فتستحقون من العقاب مثل ما استحقوه ، أم تؤمنون فتستحقون الثواب . وإنما قال ( لننظر ) ليدل على أنه سبحانه يعامل العبد معاملة المختبر الذي لا يعلم الشئ ، فيجازيه على ما يظهر منه ، دون ما قد علم أنه يفعله ، مظاهرة في العدل ، والنظر في الحقيقة لا يجوز على الله تعالى ، لأنه إنما يكون بالقلب ، وهو التفكر ، وبالعين وهو تقليب الحدقة نحو المرئي ، التماسا لرؤيته مع سلامة الحاسة . وأحد هذين لا يجوز عليه سبحانه ، وإنما يستعمل ذلك في صفاته على وجه المجاز والاتساع ، فإن النظر إنما هو لطلب العلم ، وهو سبحانه يعامل عباده معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ، ليجازيهم بحسبه .